الاربعاء: ١٤/١٢/٢٠٢٢ – أشخاص يعيشون بيننا، يظهرون بصورة أخرى لا نعلمها، ويتخفون خلف ستار شخصية مختلفة وقد تكون مثالية بتفاصيلها، يمارسون هواية التمثيل فيها وتقمص شخصية جديدة. عدد كبير منهم يمكن تصنيفهم عملياً بأنهم أشخاص يعانون “اضطراب الشخصية التمثيلية”.
يجد كثيرون صعوبة في التعامل مع هذا النوع من الاضطراب، خاصة في حال كانت الحالة ضمن إطار العائلة أو الأصدقاء؛ حيث تكون العلاقة معقدة ومتذبذبة، كما تصفها رانيا سميح، التي كانت على علاقة بصديقة مقربة تعيش بين عائلة “متفككة”، وقد يكون هذا هو السبب الذي دفعها لأن تكون من أصحاب الشخصيات التمثيلية.
تقول سميح إن صديقتها هي أيضاً قريبة لها في مكان السكن، لذلك هي تعلم الكثير عن تفاصيلها، وعندما ترى شخصيتها المختلفة في الجامعة، تبدي استغرابها منها، ولكن قد تجد أن لتلك الظروف الصعبة سبباً في تعمدها إخفاء شخصيتها بالبيت عما هي بين صديقاتها، وهذا ما دفع سميح إلى أن تبقى “صامتة” ولا تحاول تنبيه صديقتها.
وقد يرى كثيرون أن هذه الشخصية قد تدفع المحيطين إلى الابتعاد عنها والنفور، كونها بعيدة عن الواقع و”تكذب كثيرا وتغير الحقائق والواقع”؛ إذ إن من يعاني اضطراب الشخصية التمثيلية كثيراً ما يقع في الأخطاء خلال تعامله مع الآخرين، ومن ثم قد تحول تلك الأخطاء إلى مشاكل مع الأشخاص من حوله.
في علم النفس السلوكي، يُعرف العلماء اضطراب الشخصية التمثيلية بأنه “حالة نفسية شبه هستيرية، وهي من اضطرابات الشخصية التي تدفع المصابين به إلى الإقدام على تصرفات يومية غير مقبولة للآخرين كونهم يميلون إلى الدراما في تعاملاتهم والمبالغة في العواطف ولا يتقبلون الفصل بسهولة”.
كما أن الجمعية الأميركية للأطباء النفسيين عرفت “اضطراب الشخصية التمثيلية”، وفق مواقع علمية، بأنه يتميز المصابون به “بنمط من السلوكيات التي يسعى فيها الشخص باستمرار إلى الاهتمام وجذب الانتباه وتبدأ في مرحلة الطفولة المبكرة، وتشمل الإثارة غير اللائقة والرغبة المفرطة في القبول”.
اختصاصي الصحة النفسية والعلاج النفسي الدكتور أحمد عيد الشخانبة، يشير إلى أن ما يسمى بـ”الشخصية التمثيلية” أو ما يعرف بالشخصية الهستيرية، هي أحد اضطرابات الشخصية التي تتميز بالمبالغة بردود الفعل العاطفية، ومحاولة جذب الانتباه، والسطحية في الانفعالات، ومحاولة التأثير في الآخرين، والحساسية المفرطة، عدا عن الانجذاب خلف المشاعر الذي يؤدي إلى “سرعة الوقوع في الحب للآخر”.
ويبين الشخانبة أن هذه الحالة النفسية السلوكية قد يتطور فيها الشخص مع مرور الوقت والانغماس في هذه الأعراض، إلى الحد الذي يصبح مرضا عضويا نفسيا من الأمراض الهستيرية كأن “يصاب بالعمى الهستيري، أو الشلل الهستيري”؛ حيث يفقد الشخص القدرة على المشي أو الحركة مؤقتا لأسباب نفسية فقط، كمحاولة لاشعورية منه لجذب الانتباه والحصول على حب وعطف الآخرين.
وعلى الرغم من احتمالية الوصول إلى هذا الحد من المرض الهستيري، إلا أن الشخص لا يتعمد إظهار هذه الأعراض، وفق الشخانبة، مشيراً إلى أن أسباب الوصول إلى هذه المرحلة من الاضطراب قد تكون خليطا بين الأسباب الجينية والعضوية والوراثية من جهة، والأسباب البيئية من جهة أخرى.
فعلى سبيل المثال، يعتقد الشخانبة أن الإهمال الذي يتعرض له الإنسان في الطفولة، وبخاصة الحرمان العاطفي، قد يسبب تطور هذا الاضطراب مع التقدم في السن، وعدم إشباع الحاجات النفسية في فترة الطفولة كذلك قد يكون سببا، إضافة إلى أن العلاقة غير السوية بين الطفل والأب أو الأم تلعب دورا مهما في نشوء هذا الاضطراب.
وعلى الرغم من تعامل رامز محمود بشكل مباشر مع أحد الزملاء في المؤسسة التي يعمل بها، ورغم معاناته من ردود أفعاله، إلا أنه يشعر ببعض الحزن أو المشاعر المتضاربة تجاهه؛ إذ يصف زميله بأنه “خلوق ومتعاون وذكي في عمله ولكنه يبالغ في مشاعره وأفعاله تجاه أي تصرف من زملاء العمل”.
ويعتقد رامز أن حب الظهور أنه “موظف مثالي” قد يكون السبب في اختلاق شخصية أخرى في نفسه لكي يكون على أحسن صورة، ولكن هذا يدفعه إلى أن يتظاهر بالكمال أو “التمثيل على المحيطين بأنه شخصية قوية وقادرة على التميز”، ولكنه في داخله الكثير من الصراع بين الشخصيتين، ما يدفعه في كثير من الأوقات إلى الانهيار وافتعال المشاكل التي تؤثر على علاقته مع الآخرين.
بعض علماء النفس كذلك، يعتقدون أن نسبة كبيرة من المشاهير قد يكونون مصابين بـ”اضطراب الشخصية التمثيلية” ويحاولون من خلاله الظهور بشكل يرضي الجمهور المتابع لهم، كسب اهتمامهم، محبتهم ودعمهم، فيكون هناك شخصية تبدو شبه مثالية أمام الجمهور، بينما قد يتم الكشف فيما بعد عن وجود شخصية مناقضة ومختلفة قد تهدم الصورة الجميلة لهم أمام الجمهور.
