
د. انس عضيبات
يُعدّ الإعلام اليوم من أقوى الأدوات المؤثرة في تشكيل وعي الأفراد وتوجيه سلوكهم، فهو لا يقتصر على نقل الأخبار أو عرض الحقائق، بل أصبح قوة فاعلة تساهم في بناء الفكر الجمعي وصياغة منظومة القيم داخل المجتمع، ومن خلال هذه القوة، يمكن للإعلام أن يكون عاملًا أساسيًا في ترسيخ قيم الانتماء والولاء وتعزيز الأمن الوطني.
كما يلعب الإعلام دورًا محوريًا في نشر القيم الإيجابية التي تُسهم في تماسك المجتمع، مثل المواطنة الفاعلة، والاحترام المتبادل، والتسامح، والالتزام بالقوانين، فعندما تُغرس هذه القيم في عقول الأفراد عبر محتوى إعلامي هادف، تنشأ بيئة مجتمعية متوازنة قادرة على مواجهة التحديات والحفاظ على استقرار الدولة.
وفي المقابل، فإن الإعلام غير المنضبط قد يشكل خطرًا على القيم المجتمعية إذا انحرف عن مساره المهني فالمبالغة في الأحداث، أو نشر الشائعات، أو عرض نماذج سلوكية سلبية، يمكن أن تؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي وتهديد الأمن الفكري ومن هنا، يصبح الإعلام سلاحًا ذا حدّين: إمّا أن يعزز الأمن الوطني أو يُضعفه.
إذن من الضروري أن يُدار الإعلام ضمن إطار وطني واعٍ، يوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المجتمعية فالإعلام المسؤول هو الذي ينقل الحقيقة دون تحريف، ويحترم عقول الجمهور، ويسهم في توجيه الطاقات نحو البناء والتطوير، ووجود سياسة إعلامية واضحة المعالم يُعدّ أحد أهم مقومات الحفاظ على الاستقرار الوطني.
كما يتجلى الدور الوقائي للإعلام في مواجهة الحملات المضللة التي تستهدف زعزعة الثقة بالمؤسسات أو نشر الفوضى الفكرية، ومن خلال التحليل الهادئ والمعلومة الدقيقة، يستطيع الإعلام الوطني أن يكشف الأكاذيب ويحصّن المجتمع ضد التضليل، مما يعزز الوعي العام ويقوي المناعة المجتمعية ضد الشائعات.
ويُعتبر الإعلام كذلك جسرًا يربط بين الدولة والمواطن، حيث يسهم في إيصال المعلومات بشفافية ويتيح مساحة للتفاعل والحوار، وهذا التواصل يعزز الثقة بين الطرفين، ويدعم مفهوم الشراكة في حماية الوطن وصون أمنه واستقراره.
إضافةً إلى ذلك، يؤدي الإعلام دورًا بارزًا في دعم الأمن الفكري من خلال محاربة التطرف ونشر الفكر المعتدل، وعبر برامجه التوعوية، يمكنه تفنيد الأفكار المنحرفة وتقديم نماذج إيجابية تمثل قيم الدين والإنسانية، مما يخلق وعيًا متزنًا لدى الأجيال الجديدة.
وفي النهاية، يبقى الإعلام ركيزة أساسية في بناء المجتمع الحديث فإذا استُخدم بمسؤولية واحتراف، أصبح أداة فاعلة لحماية القيم وتعزيز الأمن الوطني أما إذا غابت عنه المهنية، فقد يتحول إلى وسيلة لهدم الوعي ونشر الفوضى لذلك، فإن تطوير إعلام وطني قوي وملتزم هو استثمار في استقرار الوطن ومستقبله.
