مقالات

الجريمة والمخدرات في الأردن: تحدٍّ أمني أم قضية مجتمعية؟

6-شباط

الدكتور وليد سرحان – مستشار اول الطب النفسي

لم تعد قضايا الجريمة والمخدرات شأناً أمنياً محضاً، بل باتت ظاهرة اجتماعية مركبة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والنفسية والثقافية، ما يجعل التعامل معها مسؤولية جماعية تتجاوز حدود القانون والعقاب. وفي الأردن، ورغم ما يتمتع به المجتمع من منظومة قيمية وأمنية مستقرة، فإن انتشار بعض أنماط الجرائم المرتبطة بالمخدرات يثير قلقاً متزايداً لدى الرأي العام.

المخدرات بوابة للجريمة

تشير الخبرات الميدانية والدراسات الاجتماعية إلى أن تعاطي المخدرات غالباً ما يكون مدخلاً لارتكاب جرائم أخرى، مثل السرقة، والاعتداء، والعنف الأسري، وحتى الجرائم المنظمة. فالإدمان يضعف السيطرة على السلوك، ويزيد من الاندفاعية، ويؤدي إلى تدهور القيم الأخلاقية والاجتماعية، الأمر الذي ينعكس سلباً على الفرد والأسرة والمجتمع.

الشباب في دائرة الخطر

تُعد فئة الشباب الأكثر عرضة للاستهداف من قبل شبكات ترويج المخدرات، مستغلةً عوامل مثل البطالة، والفراغ، والضغوط النفسية، وضعف الوعي بمخاطر التعاطي. كما أن بعض المواد المخدرة الحديثة تُسوَّق على أنها “غير خطرة”، في حين أن آثارها النفسية والسلوكية قد تكون أشد تدميراً من المخدرات التقليدية.

البعد الأسري والنفسي

تلعب الأسرة دوراً محورياً في الوقاية من تعاطي المخدرات والجريمة المرتبطة بها. فضعف الرقابة الأسرية، والتفكك العائلي، والعنف المنزلي، جميعها عوامل تزيد من احتمالية الانحراف. كما أن تجاهل الاضطرابات النفسية أو وصم المصابين بها يحرم الكثيرين من العلاج المبكر، ما قد يدفعهم إلى التعاطي كوسيلة هروب أو “علاج زائف”.

الجهود الأمنية والتشريعية

لا يمكن إنكار الجهود الكبيرة التي تبذلها الأجهزة الأمنية الأردنية في مكافحة المخدرات وضبط الشبكات الإجرامية، إلى جانب تطوير التشريعات الرادعة. إلا أن التجربة العالمية تؤكد أن الردع وحده غير كافٍ، وأن برامج العلاج وإعادة التأهيل والدمج المجتمعي تمثل ركيزة أساسية للحد من العود للجريمة.

دور الإعلام والتعليم

للإعلام دور حاسم في تشكيل الوعي العام؛ فالتغطية المسؤولة التي تركز على مخاطر المخدرات وأثرها الحقيقي، بعيداً عن الإثارة أو التهوين، تسهم في الوقاية. كما أن إدماج التوعية بالمخدرات ضمن المناهج التعليمية والأنشطة الشبابية يعزز مناعة الأجيال القادمة ضد هذا الخطر.

نحو رؤية شمولية

مواجهة الجريمة المرتبطة بالمخدرات في الأردن تتطلب رؤية شمولية تقوم على:

  • تعزيز الوقاية والتوعية المبكرة
  • توسيع خدمات الصحة النفسية وعلاج الإدمان
  • دعم الأسرة وتمكين الشباب اقتصادياً واجتماعياً
  • تطوير برامج إعادة التأهيل بدلاً من الاقتصار على العقاب

خاتمة

إن الجريمة والمخدرات ليستا مجرد مخالفات قانونية، بل مؤشران على اختلالات أعمق في البنية الاجتماعية والنفسية. والتعامل معهما بوعي ومسؤولية مشتركة هو الطريق الأنجع لحماية المجتمع الأردني وصون استقراره، وبناء مستقبل أكثر أمناً للأجيال القادمة.

.