أخبار المندوبين

تربية (جيل التيك توك): كيف تشكل الخوارزميات وعي أطفالنا؟

د. أنس عضيبات

يعيش أطفالنا اليوم في عالم لم يعد فيه المربي هو المصدر الوحيد للقيم، بل نافستْه “خوارزميات” بالغة التعقيد والذكاء، حيث لم تعد منصات مثل “تيك توك” مجرد مساحة للترفيه العابر، بل تحولت إلى مختبرات هندسة اجتماعية كبرى، حيث تقوم الخوارزمية بتحليل أدق حركات العين ومدة التوقف عند المقطع، لترسم صورة ذهنية محددة للطفل عما هو “طبيعي” أو “مقبول”، مما يجعلنا أمام جيل يتم تشكيل وعيه عبر تدفق مستمر من البيانات الموجهة بعناية.
حيث تعتمد هذه المنصات على تقنية “التغذية القسرية” (For You Page)، التي تعمل بنظام المكافأة الكيميائية في الدماغ، ومن خلال إطلاق جرعات مكثفة من “الدوبامين” مع كل مقطع قصير ومبهر، تضعف الخوارزمية قدرة الطفل على التركيز الطويل أو الصبر على التعلم التقليدي، وهذا “الاستلاب الانتباهي” يخلق وعيًا مجزأً، حيث يرفض العقل الناشئ أي محتوى لا يقدم إثارة فورية، مما يؤدي بمرور الوقت إلى إعادة تشكيل المسارات العصبية المسؤولة عن التفكير النقدي والتأمل.
وبعيداً عن فوضى التشتت، تمارس الخوارزميات نوعاً من ‘العزلة القسرية’ عبر خنق الفضول المعرفي للطفل داخل غرف الصدى الرقمية، كما إنها تعمل على تضخيم انحيازاته الناشئة من خلال ضخ محتوى متجانس يعزز قناعاته الأولية، مما يمنع تشكل مرونة ذهنية تسمح بقبول الآخر أو نقد الذات، وهذا التحيز الخوارزمي يحول الشاشة إلى مرآة مشوهة تعكس فقط ما يريد الطفل رؤيته، مما يجعل محاولات التوجيه الأسري تصطدم بجدار من القناعات الرقمية التي شُيدت بصمت خلف الستار الآلي

إضافة إلى ذلك، تُرسخ الخوارزميات نمذجةً قسرية للمعايير الجمالية والاجتماعية، مسببةً ما يُعرف بـ ‘قلق المقارنة الاجتماعية’، فمن خلال الترويج الكثيف لمقاطع تُصدّر أنماط حياة مثالية ومصطنعة، تندفع عقول الناشئة إلى فخ ربط القيمة الذاتية بـ ‘عدادات الإعجاب’ ومدى قدرتهم على ملاحقة ‘الترندات’ المتسارعة، كما إن هذا التشكيل الهوياتي يجعل الوعي الطفولي رهينًا لاستحقاق افتراضي زائف، ويحفر فجوة اغترابٍ عميقة بين واقعهم المعيش وتطلعاتهم الرقمية التي تستحيل محاكاتها خارج إطار المرشحات (Filters) والعدسات.”
“وفي تحول دراماتيكي لبنية القدوة، تسببت الهيمنة الخوارزمية في تراجع دور ‘المرجعيات الواقعية’ كالأب والمعلم، لصالح ‘المؤثر الرقمي’ العابر. فالخوارزمية، بطبيعتها التقنية، لا تكترث بجودة المضمون بقدر اهتمامها بمعدلات ‘التفاعل’، مما يرفع من شأن المحتوى الأكثر إثارة وإن كان أجوف أو ضاراً، وهذا الانزياح القيمي يعيد تعريف الأخلاق والذوق العام لدى الجيل الجديد؛ حيث تتحول ‘الشهرة’ إلى المعيار الوحيد للصواب، ويصبح عدد المشاهدات هو الصك الشرعي الذي يمنح القيمة للفكرة أو السلوك.”

إن مواجهة هذا التغول الرقمي لا تتوقف عند حدود المنع التقني، بل تستوجب بناء ‘سيادة معرفية’ و’مناعة رقمية’ لدى الطفل، حيث تقع على عاتقنا اليوم مهمة استعادة الحوار الأسري التفكيكي، وتحويل الطفل من مستهلك سلبي إلى ناقد واعٍ يدرك أن ما يراه هو نتاج معادلات رياضية (Algorithms) تستهدف استنزاف وقته، لا تقديم الحقيقة، كما إن التربية في عصر ‘تيك توك’ تتطلب ‘مربين رقميين’ يمتلكون الوعي بكواليس التقنية، ليتمكنوا من حماية عقول أطفالهم من الانصهار في قوالب جاهزة صُممت بعناية خلف البحار.”