مقالات

الدفء حين يقتل: أخطاء التدفئة التي نحصد ثمنها كل شتاء

18 كانون الثاني – محمد هاني المعايطة

في كل شتاء، تعود الحكاية ذاتها بصيغة مختلفة، فيما يبقى المضمون واحدًا.
خبرٌ عاجل، بيانٌ رسمي، ثم أسماء تُضاف إلى قائمة الفقد، وغالبًا ما يكون الضحايا أطفالًا لم يُمنحوا فرصة النجاة. ليست هذه الوقائع طارئة، ولا استثناءات نادرة، بل مشاهد متكررة تكشف خللًا عميقًا في طريقة تعاملنا مع وسائل التدفئة داخل منازلنا.
لسنا أمام مشكلة تقنية تتعلّق بنوع المدفأة أو مصدر الطاقة، بقدر ما نحن أمام مشكلة وعي وسلوك. فوسائل التدفئة، سواء كانت تعمل بالغاز أو الكاز أو الحطب أو الكهرباء، لم تُخلق لتكون خطرًا، لكنّها تتحوّل إلى ذلك حين تُستخدم خارج شروط السلامة، أو يُتعامل معها باستخفافٍ نابع من الاعتياد، لا من المعرفة.
إنّ الخطر الحقيقي لا يظهر فجأة، بل يتشكّل بهدوء. تهوية تُهمل، جهاز يُترك يعمل أثناء النوم، وصلة لا تُفحَص، أو استخدام وسيلة تدفئة في مكان غير مخصص لها.
تفاصيل صغيرة، لكنها كفيلة بتحويل البيت من مساحة أمان إلى بيئة مغلقة تُهدّد الحياة، إمّا عبر غازات سامة عديمة اللون والرائحة، أو عبر حوادث تسرب واحتراق وتماس كهربائي.
والأشدّ قسوة أنّ ضحايا هذه الأخطاء غالبًا هم من لا يملكون خيارًا ولا قدرة على الاعتراض: أطفال، أو كبار سن، أو نائمون لا يدركون أنّ الخطر يتقدّم نحوهم بصمت. هنا لا يكون الخطأ عابرًا، بل يتحوّل إلى فاجعة مكتملة الأركان، كان يمكن منعها لو قوبل التحذير بالالتزام.
في هذا السياق، لا يمكن القفز عن حقيقة أساسية، وهي أنّ مديرية الأمن العام لم تكن يومًا غائبة عن هذا الملف، ولم تتعامل مع حوادث التدفئة بوصفها أحداثًا موسمية تُسجّل ثم تُنسى. فالمديرية، عبر كوادرها الميدانية ومنظومتها الإعلامية، دأبت على إطلاق رسائل تحذيرية متكررة، وتنفيذ حملات توعوية شاملة، تُخاطب المواطن بلغة مباشرة، وتضع قواعد الاستخدام الآمن لوسائل التدفئة على اختلاف أنواعها بوضوح لا لبس فيه.
هذه التحذيرات لم تأتِ من فراغ، بل استندت إلى خبرة ميدانية طويلة، وتجارب واقعية مؤلمة، شهدت فيها المديرية نتائج الإهمال على الأرض، لا في التقارير فقط. غير أنّ المشكلة، في كثير من الأحيان، لا تكمن في نقص التوعية، بل في ضعف الاستجابة لها، حين تبقى الرسالة في إطار المعرفة النظرية، ولا تتحوّل إلى ممارسة يومية داخل المنازل.
فالخلل يبدأ عندما يُنظر إلى التحذير بوصفه نصيحة عامة لا ضرورة للالتزام بها، أو حين يُستبدل السلوك الآمن بجملة شائعة: “لم يحصل شيء من قبل”.
هنا يتحوّل الاعتياد إلى خطر، ويتقدّم الوهم بالأمان على حساب الوقاية.
والحقيقة التي لا تحتمل المواربة، أنّ معظم هذه الحوادث قابلة للمنع بالكامل.
فالوقاية لا تحتاج إلى حلول معقّدة، بل إلى التزام بسيط وواضح: تهوية منتظمة، عدم ترك أجهزة التدفئة تعمل أثناء النوم، فحص دوري للوصلات والأسلاك، واستخدام كل وسيلة في المكان المخصص لها وضمن شروطها الآمنة.
نحن بحاجة إلى تحويل التحذير إلى ثقافة، والوعي إلى سلوك، والالتزام إلى عادة يومية لا ترتبط بالموسم ولا تُؤجَّل.
في الشتاء، نبحث عن الدفء، وهذا حقّ مشروع لا جدال فيه. لكنّ السلامة حقّ أسبق، لأنّ الدفء الذي يُنتزع من دون وعي، قد يتحوّل إلى خطرٍ صامت، وفاجعةٍ لا تُمنح فرصة ثانية