أخبار المندوبين

صراع الأجيال الرقمي: هل فقد الآباء لغة الحوار مع “أبناء الآيباد”؟

د. أنس عضيبات

لم تعد الفجوة بين الأجيال مجرد اختلاف في وجهات النظر حول الموسيقى أو الأزياء كما كان في السابق، بل تحولت في العصر الحالي إلى “قطيعة رقمية” تفصل بين جيل نشأ على الورق والروابط المادية، وجيل “أبناء الآيباد” الذين وُلدوا وفي أيديهم مفاتيح العالم الافتراضي، وهذا التباين التكنولوجي خلق نوعاً من الاغتراب داخل البيت الواحد؛ حيث يجلس أفراد الأسرة في حيز مكاني واحد، لكنهم يعيشون في عوالم موازية، مما يطرح سؤالاً ملحاً حول قدرة الآباء على اختراق “الأسوار البرمجية” التي تحيط بعقول أبنائهم.

تكمن جذور الأزمة في أن اللغة التي يتحدث بها الأبناء اليوم ليست مجرد كلمات، بل هي “رموز وخوارزميات” وتفاعلات سريعة لا يدرك الآباء أبعادها العميقة؛ فبينما يحاول الوالدان فرض معايير التربية التقليدية القائمة على المراقبة المباشرة والحوار وجهاً لوجه، يجد الأبناء في الفضاء الرقمي ملاذاً يمنحهم استقلالية وهمية بعيداً عن سلطة الأهل، وهذا التفاوت في الإدراك التقني جعل الآباء يبدون في نظر أبنائهم “مهاجرين” في عالم رقمي يمتلك فيه الصغار حق “المواطنة الأصلية”، مما أفقد الحوار قيمته التوجيهية وتحول في كثير من الأحيان إلى تصادم أو صمت طويل.

وعلى الرغم من محاولات بعض الآباء اللحاق بالركب التكنولوجي، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في “سرعة التدفق”؛ فالأبناء يستهلكون محتوىً عالمياً عابراً للحدود والثقافات، يشكل قيمهم وهويتهم بعيداً عن مصفاة القيم العائلية، وهذا التحدي جعل من “الآيباد” شريكاً ثالثاً في التربية، بل ومنافساً قوياً يستحوذ على انتباه الطفل واهتمامه لساعات طويلة، مما أدى إلى تآكل المهارات الاجتماعية التقليدية وضعف لغة الجسد والتواصل البصري التي كانت تشكل جوهر العلاقة الحميمية بين الأب وابنه.

وفي المقابل، يقع الكثير من الآباء في فخ “الشيطنة” الكاملة للتكنولوجيا أو “الاستسلام” التام لها، وكلاهما حلول تؤدي إلى اتساع الفجوة؛ فالمنع الصارم يولد التمرد والسرية، والإهمال يترك الأبناء عرضة لمخاطر الفضاء السيبراني، كما إن غياب “الوساطة الوالدية الواعية” التي تمزج بين الحزم والمرونة جعل الأبناء يشعرون بأن آباءهم لا يفهمون طبيعة حياتهم المعاصرة، مما دفعهم للبحث عن القدوة والانتماء في مجتمعات افتراضية قد لا تكون آمنة أو متوافقة مع واقعهم المجتمعي.

ختاماً، إن استعادة لغة الحوار المفقودة لا تتطلب من الآباء التحول إلى خبراء تقنيين، بل تتطلب بناء جسور من الثقة تبدأ من “الاهتمام الرقمي”؛ أي مشاركة الأبناء عوالمهم، وفهم اهتماماتهم الإلكترونية دون إطلاق أحكام مسبقة، كما إن معركة التربية في العصر الرقمي لن تُحسم بالمنع أو المصادرة، بل بالقدرة على تحويل التكنولوجيا من “جدار” يعزل الأفراد إلى “منصة” للنقاش والتفاعل، ليبقى الدفء الإنساني هو الحصن الأخير في مواجهة برودة الشاشات.