
د. أنس عضيبات
29-كانون الثاني:
في عصرنا الحالي، حيث تتسارع وتيرة الابتكارات التكنولوجية، أصبح الفارق الرقمي بين الأفراد والمجتمعات يشكل تحديًا متزايدًا، وهذا التفاوت بين من يمتلكون الوصول إلى التكنولوجيا الحديثة ومن لا يمتلكونها يمكن أن يؤدي إلى تزايد الفجوات الاجتماعية والاقتصادية، ويعكس “التمييز الرقمي” هذه الفجوات، ويظهر بوضوح في التعليم، وفرص العمل، والرعاية الصحية، ومجالات أخرى لذا، يصبح التساؤل عن كيفية تحقيق تكافؤ الفرص في هذا العصر التكنولوجي من أهم القضايا الاجتماعية التي يجب تناولها.
لعل أحد أبرز مظاهر التمييز الرقمي هو التفاوت في الوصول إلى الإنترنت والتكنولوجيا الحديثة، فبينما تمتلك بعض البلدان البنية التحتية الرقمية المتقدمة التي تتيح لجميع أفراد المجتمع الاستفادة من التطورات التكنولوجية، تعاني دول أخرى من نقص في هذه الخدمات الأساسية، وفي العديد من الأماكن، لا يزال من الصعب الوصول إلى الإنترنت بسرعة عالية أو حتى وجود الاتصال بالشبكة في المناطق النائية، وهذا الواقع يعيق فرص التعليم عن بُعد، ويمنع فئات كبيرة من المجتمع من الاستفادة من برامج التدريب المهني التي تعزز من قدرتهم على المنافسة في سوق العمل.
ولمكافحة هذه المشكلة، يجب أن تكون هناك استراتيجيات جادة لضمان الوصول الشامل إلى الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات، حيث تعد برامج الحكومة والشركات الخاصة التي تستهدف توفير الإنترنت بأسعار معقولة وميسرة أحد الحلول الأساسية لتحقيق العدالة الرقمية، ومن خلال بناء بنية تحتية رقمية قوية في المناطق الفقيرة والريفية، يمكننا تيسير الوصول إلى المعلومات والموارد التي كانت في السابق محجوزة فقط للفئات المتمكنة تقنيًا، وهذه الخطوة ستمنح الجميع، بغض النظر عن خلفياتهم الاجتماعية أو الاقتصادية، الفرصة للمنافسة في سوق المعرفة.
إلى جانب الوصول إلى التكنولوجيا، فإن المهارات الرقمية تلعب دورًا حاسمًا في محاربة التمييز الرقمي، كما إن القدرة على استخدام الأدوات الرقمية بشكل فعال أصبحت ضرورة أساسية في العديد من المجالات، بدءًا من التعليم ووصولًا إلى سوق العمل لذا، يجب أن تكون هناك برامج تعليمية موجهة لتعزيز المهارات الرقمية لجميع الفئات العمرية، بدءًا من الأطفال في المدارس وصولًا إلى البالغين الذين يرغبون في تحسين مهاراتهم التقنية، حيث إن التعاون بين الحكومات والمؤسسات التعليمية والشركات التكنولوجية هو السبيل لتعزيز هذه المهارات على نطاق واسع.
وعلى الصعيد الحكومي، يمكن أن يكون التشريع الرقمي أداة قوية في مواجهة التمييز الرقمي، ومن خلال وضع قوانين تحمي حق الأفراد في الحصول على التعليم الرقمي، والرعاية الصحية الإلكترونية، وفرص العمل عبر الإنترنت، يمكن ضمان أن جميع المواطنين لديهم الفرصة للاستفادة من الفوائد التي توفرها التكنولوجيا، إضافة إلى ذلك، يجب أن يكون هناك تنظيم صارم لمنع الشركات من استغلال هذه الفجوات الرقمية وتعزيز عدم المساواة في الفرص.
في النهاية، إن التمييز الرقمي ليس مجرد مشكلة تقنية، بل هو تحدٍ اجتماعي واقتصادي يهدد بزيادة الفجوات بين الطبقات الاجتماعية، ومن خلال توفير الوصول المتساوي إلى الإنترنت، تعزيز المهارات الرقمية، وتطوير التشريعات الرقمية، يمكننا تحقيق تكافؤ الفرص في عصر التكنولوجيا، فالتكنولوجيا، إذا استخدمت بشكل عادل، يمكن أن تكون أداة تمكينية تُسهم في تعزيز المساواة والعدالة الاجتماعية في عالمنا المتغير.
