منوعات

مع الأحزان المتتالية.. كيف نتشبث بالأمل؟

الخميس: ٢٢/٩/٢٠٢٢ – حينما تأتي الأحزان والمصائب دفعة واحدة.. يعجز الإنسان عن وصف الشعور بالألم، وكل المشاعر التي تدور بداخله وكأن الحياة توقفت عند نقطة محددة”.. بتلك الكلمات بدأت أسماء حديثها، والوجع يعتصر قلبها من قصص لا تنتهي مليئة بالمتاعب والهموم.
تتحدث أسماء أنها ومنذ 3 أعوام لم تتوقف الأحزان التي بدأت بفقدان والديها جراء إصابتهما بفيروس كورونا، بعد ذلك تعرضت لسقوط في الشارع تسبب بكسر في حوضها، ولم تنته الأحزان بفقدانها أخاها الأكبر جراء حادث سير.
تقول أسماء “قلبي يفطر ألما ولا أشعر بالهدوء أو السكينة منذ اليوم الأول لفقدان الأحبة، وعجزي عن المشي، وكأن باب الحزن لا يغلق وناره لا تبرد، لكن الإيمان بالله كبير وهذا المصاب إن كان على صعوبته لا بد أن يمر”، متمنية أن يأتي موقف يشعرها بالفرح الذي افتقدته منذ زمن.
اختصاصي علم الاجتماع د. حسين خزاعي، يؤكد أن الحياة لا تسير عادة باستقامة وأن تعرجاتها وشدائدها كبيرة على الفرد، وهذه حقيقة يؤكدها الله تعالى في القرآن الكريم؛ حيث يقول سبحانه وتعالى في الآية 4 من سورة البلد “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ” يكابد فيها المشقة والمصائب فهذا أمر حتمي في هذه الدنيا.
ولكن هنا، يعرف الفرد محبيه الحقيقيين في أوقات الحزن والشدة، وليس في أوقات الرخاء والفرح فقط، وفق الاختصاصي خزاعي.
ويؤكد أن شدائد الزمان ومصائبها هي امتحانات من الله تعالى على عباده، تجعله أقوى وأكثر صلابة بعد الكسر، فهناك أحزان تعود على الفرد بمعرفة من حوله وبعد الشفاء منها يعود لعافيته ويعرف كيف يعيد حياته بالطريقة الصحيحة، وأحيانا هناك مشاعر سلبية كفقدان العمل تجعل الفرد رغم مشاعر القهر التي تصيبه، يبحث عن عمل أفضل ومعايير مختلفة والتعامل مع زملاء جدد بعيدا عن أخطاء الماضي، فتكون التجربة أكثر نجاحا، على سبيل المثال، ويصبح الفرد أكثر قوة ويتمتع بتجربة مختلفة لا يعهدها بنفسه من قبل.
اختصاصي علم النفس د. علي الغزو، يتحدث عن كثرة الابتلاءات التي تصيب الفرد أو كثرة المصائب وهل تجعله يتلقى المصائب بعد ذلك بتأثر أقل، مبينا أنه لا شيء يمكن توقعه في مثل هذه الحالة.
ويؤكد أن ما يتعلق بالابتلاء والاختبارات التي يواجهها الفرد في حياته كثيرة، كفقدان الأبوين، الأهل، الأقارب، الأصدقاء أو العمل والكثير من الجوانب الأخرى، لكن ما يلعب الدور الحقيقي في ردة الفعل هو التوقيت والظروف والإيمان الذي يعيشه الفرد في كل حالة.
ووفق الغزو، من الممكن أن تكون ردة فعل شخص فقد أخاه بظروف معينة مفاجأة صعبة وموجعة ومحزنة، بالمقابل ردة فعله هادئة في حال لو فقد أخا آخر بعد ذلك كان مريضا منذ فترة، مؤكدا أن الحزن ذاته موجود في القلب، لكن ردة الفعل غير متوقعة، والسبب التوقيت والظرف.
ويؤكد أن اختلاف الفئات العمرية يلعب دورا كبيرا في كيفية تلقي الصدمات في عين الفرد، فصغار السن الذين لم يتعرضوا لصدمات سابقة تكون ردة فعلهم أكبر بكثير من الأكبر سنا وأهل الخبرة ومن عاصر الأحزان المختلفة في حياته عبر الزمن.
ويقول الغزو “هناك أناس يعانون من أحزان متلاحقة، يعترفون أنهم لا يستطيعون تحمل المزيد، لكن عند الابتلاء يكونون صابرين وأكثر إيمانا من قبل”.
ويرى أن كل فرد لديه القدرة على اكتشاف ذاته وكيفية تعامله مع حزنه وكيف عليه أن يحمي عقله وقلبه من هذه الصدمات، والبعض يلجأ لأمور غير متوقعة ليحمي ذاته كالضحك أو كثرة المزاح، وأحيانا بالصمت وأحيانا البكاء وأحيانا أخرى بتبلد المشاعر وعدم رؤية ما يحدث بالصورة الحقيقية حتى لا يتفاعل معه ويؤثر عليه.
وأخيرا، يقول الغزو “إن على الفرد أن يتحلى بالصبر، وإن الاختبارات الصعبة في الحياة كثيرة وتصيب أي إنسان، ومن المهم احترام مشاعر الحزن وإعطاء الشخص المجال بأن يخرج من هذه الحالة بطريقة تناسبه”.
دراسة علمية لباحثين من جامعة بيتسبرج فى بنسلفانيا، أشارت إلى أن تعرض المرأة لثلاثة أحداث مأساوية متتالية قد يصيبها بأمراض خطيرة في القلب، وتزداد تلك المخاطر مع بلوغ سن اليأس.
ويندرج تحت فئة الأحداث المأساوية المقصودة، حوادث السيارات وموت الأبناء والتعرض للعنف الجسدي، والكوارث الطبيعية، التي تتسبب في الإضرار بالوظائف البطانية، ويقصد بها مجموعة العمليات التي تسهل مرور الدم عبر الأوعية الدموية ويتسبب أي خلل فيها بالإصابة بأمراض القلب.
دراسة عالمية أخرى، بينت أن الحزن يسبب اضطراب الذاكرة، ويصعب تذكر الكثير من الأحداث التي وقعت في فترة سابقة، ومن ثم لا يستطيع الإنسان رسم صورة لمستقبله. الى ذلك، ظهور قصور شديد في الأداء المعرفي للشخص الحزين نتيجة وفاة أحد الأفراد المقربين إليه، ويقاوم المخ الأشياء الأساسية مثل الإدراك، والحالة المزاجية، كما أن من يتعرضون لفقد الزوج أو الزوجة يكونون أكثر عرضة للإصابة بأمراض عقلية بسبب ذلك.
كل إنسان لديه قدرة على التحمل، تختلف عن الآخر، ولكن مع كثرة المتاعب والهموم والأحزان المتلاحقة، قد يفقد الإنسان تماما الشعور بالفرح، وكأن الحياة توقفت عند مرحلة معينة، وتعم النظرة التشاؤمية بأن القادم لن يكون جيدا. ولكن وفق مختصين، فإن على كل إنسان أن يتحلى بالصبر، وأن يتعدى الشعور المتعب والمحزن بانتظار محطة فرح تأخذ مكانها وتعوض ولو قليلا عن أيام صعبة مليئة بالهموم.